يونيو 03
السينما . الكمبيوتر. الفرضية بدلا من الحقيقة
بقلم:عدنان مدانات
مع دخول العالم في عصر نظام الكمبيوتر الرقمي بدأ يشيع استخدام مصطلح جديد هو ” الواقع الافتراضي ” . وقد أثارت حلقة تلفزيونية ، شارك فيها عدد من المفكرين إلى جانب مجموعة من المتخصصين في مجال الكمبيوتر ، دارت حول السينما و الواقع الافتراضي المتحقق في السينما في أوضح أشكاله لاستفادتها من أحداث تقنيات الكمبيوتر في حقل صناعة الأفلام ، إشكالية خطيرة ، تتجاوز عالم السينما الفني نحو ما تقدمه السينما من فكر وما تؤسس له من مفاهيم ، إشكالية ناتجة عن الامكانات الكامنة في أجهزة الكمبيوتر الحديثة وآفاقها ، تتعلق بقدرة الكمبيوتر على إلغاء الواقع المادي وبالتالي احتمالات الوصول إلى الحقيقة ، و الاستغناء عن الواقع المادي عن طريق خلق بدلا منه ، واقع افتراضي جديد ، يؤدي ، في تجسده المبرمج عبر جهاز الكمبيوتر ، إلى إنتاج صورة واقع أو “حقيقة ” لا مرجعية مادية لها و لا يمكن التثبت منها .
فالكمبيوتر، هو التقنية الوحيدة القادرة على خلق أشكال لا أساس لها في الواقع، والكمبيوتر، بقوم بذلك على أساس فرضية، وليس على أساس مادة موجودة في الواقع.
في الأصل ، فإن تقنيات السينما تعتمد على خواصها الفيزيائية والكيميائية التي تجعلها قادرة على عكس صور الواقع المادي بشكل مباشر، و الكاميرا السينمائية ،على سبيل المثال ، لا تستطيع أن تصور أي شيء إلا إذا كان موجودا أمام عدسة آلة التصوير، سواء أكان موجودا بشكل طبيعي، أم كان موجودا على شكل مادة مصنعة ، ديكور منزل مثلا، أو دمية أو مجسم لشيء ما . وهكذا ، فإن العالم الخيالي الذي تعرضه أفلام الخيال العلمي، وهو عالم غير موجود أصلا، لا يتجسد في شكل إلا بعد أن يتم صنعه ماديا كنموذج وتكوينه مسبقا حتى يمكن لآلة التصوير أن تسجله .
لا يحتاج جهاز الكمبيوتر إلى ذلك ، فيكفي أن تتبلور الفكرة داخل رأس المبرمج، وهي تتبلور على شكل فرضية، كي يتمكن من برمجتها ومن ثم تجسيدها عبر رموز رقمية لتوحي بوجود شكل مرئي مسموع ، يمكن تقديمه كحقيقة واقعية .
يحمل هذا الإنجاز العلمي المذهل في طياته تبعات خطيرة عندما يتحول إلى ممارسة شائعة تستفيد منها وسائط الأعلام السمعبصرية، من نوع السينما أو التلفزيون ، وتستخدمها لا من أجل التعريف بحقائق الواقع بل من اجل تزويره . و لا يقتصر الأمر على تزوير الواقع الحاضر بل يمكن أن يشمل التاريخ عن طريق إعادة برمجة ” وثائقه ” Read the rest of this entry »
مايو 03
عناد الأسعار في السوق الأردني!
بقلم :محمود عبد ربه
بالرغم من مرور فترة كافية على انخفاض أسعار السلع عالميا، لا سيما السلع الأساسية والاستراتيجية، مع أن سائر العوامل المساعدة لخفض الأسعار في السوق الأردني متوفرة، مثل إلغاء الرسوم الجمركية على بعض السلع، وتخفيضها منذ بداية آذار على 794 سلعة، وارتفاع سعر صرف الدينار مقابل العملات خارج منطقة الدولار، أضف إلى ذلك تخفيض قيمة فاتورة تكلفة الشحن الناتج عن هبوط أسعار الوقود، كل ذلك يصطدم بعناد هذه الأرقام المسماه بالأسعار الدارجة.
والمفارقة الغريبة في هذا الموضوع، أن استجابة الحكومة للانخفاض سريعة جدا، من خلال تخفيض أسعار المنظومة الوحيدة التي تسيطر عليها وهي المحروقات بأنواعها كافة، بينما يتأخر القطاع الخاص بحجة نفاد السلع الواردة كافة بأسعار مرتفعة نوعا ما، وحتى لو نفدت وتم الاستيراد بأسعار أقل، فان أسعار السوق تبقى أعلى من الأسعار العادلة، لرسوخ ثقافة الحق المكتسب ، والركون إلى العامل النفسي لدى المستهلك بوصول السعر إلى هذا الهامش الرقمي، وأن أي تخفيض مهما كان طفيفا في سعر السلعة يعد مكسبا في نظر المستهلك. مع أننا اقتربنا في السنوات الأخيرة من الليبرالية على نحو مطرد، بالخصخصة وإتباع تام لسياسة الاقتصاد الحر، التي يفترض أن تفضي إلى استجابة فورية لانخفاض الأسعار من خلال آلية السوق ومنطق المنافسة الكاملة .
من الواضح أنه حدث خلل في المعادلة الاقتصادية، ويبدو أننا فقدنا آلية التوازن المترتبة على طرح البديل في الأسواق من خلال الدور الذي كانت تلعبه وزارة التموين سابقا، فقد تركنا السوق لاحتكار القلة المتمثلة بمجموعة من التجار (الحيتان) ، للسيطرة على عدد كبير من السلع وخاصة الأساسية منها، مع التخلي الكامل عن ضبط السوق بفرض آلية تحديد سقوف للأسعار مع وضع القوانين التي تضمن عدم القفز فوقها، حتى المؤسسة المدنية التي عولنا عليها لتحقيق نوع من التوازن، سرعان ما انخرطت ضمن هذا السياق، وأصبحت تبتاع معظم المواد الأساسية من التجار والمستوردين أنفسهم .
ليس هذا معناه تبنيًا شمولياً للأفكار (الكينزية) التي تؤيد توسعاً متعاظماً لدور الدولة في الأمور الاقتصادية والثقة المفرطة في قدرتها على إدارة كافة الأمور الاقتصادية، ولكن أضعف الإيمان أن يكون لها دور فعال، وهذا الدور لم ينكره أحد من الاقتصاديين، حتى الرجل الذي اعتبر أحد أعمدة الفكر الليبرالي أمثال فردريك فون هايك، من خلال كتابه الشهير (الطريق إلى العبودية).
أبريل 29
أفلام محفورة على الحور العتيق
بقلم:عدنان مدانات
ما عرفته الساحة العربية من أفلام عربية عبر العقود الماضية كان في معظمه يسير في اتجاهين متوازيين، الأول والأعم هو التوجه نحو إنتاج الفيلم الجماهيري، والثاني كان الأفلام التي يصنعها مخرجون من جيل الشباب والتي كانوا يطمحون من خلالها أن يعبروا عن قدراتهم الفنية وعن أفكارهم وعن رؤيتهم للواقع. وفي حين حققت العد يد من الأفلام الجماهيرية التوجه النجاح الذي كانت تصبو إليه، إلا أنها عجزت عن تحقيق ما كان يتوجب عليها تحقيقه، أي ليس فقط إنجاح فيلم أو مجموعة أفلام، بل وبشكل أساس إنجاح صناعة السينما العربية، وقد عكس هذا الفشل نفسه، في تراجع حجم الإنتاج السينمائي، كما حصل في مصر، البلد العربي الأقوى والأعرق سينمائيا، أو حتى توقفه، ومثال ذلك توقف الإنتاج السينمائي التابع للقطاع الخاص في سوريا بعد أن شهد مرحلة ازدهار في سبعينيات القرن العشرين، وفي الوسط بين الحالتين ظل إنتاج الأفلام الجماهيرية متعثرا يتعكز على عدد محدود جدا من الأفلام المتباعدة سنوات الإنتاج والمتفاوتة النجاح المحلي، وهو ما كان عليه حال إنتاج الأفلام الجماهيرية في دول المغرب العربي. بالمقابل، فإن أفلام جيل الشباب التي قصد منها أن تكون ذات مستوى فني رفيع وذات عمق فكري، لم تنجح في هذه المهمة بالقدر المطلوب، أحيانا بسبب نقص المواهب أو الخبرات وأحيانا أخرى بسبب نقص الإمكانيات المالية و التقنية، وهذا الأمر ينطبق على أفلام هذا التوجه في سائر الدول العربية.
في تلك الأثناء كانت ساحة السينما العربية تشهد سجالات حادة واتهامات متبادلة بين الطرفين: الساعون نحو السينما الجماهيرية يتهمون الطرف الآخر بالنخبوية و”النخبويون” يتهمون خصومهم بالسطحية الفكرية والضعف الفني وتشويه الواقع.
في محاولة للتوفيق بين الطرفين المؤيدين للأفلام التجارية والأفلام الفنية سواء بسواء، لأن الأولى تفيد في مجال دعم صناعة الأفلام والثانية تفيد في تطوير مستواها الفني والفكري، طرح بعض السينمائيين من مخرجين وباحثين، فكرة تقضي بأن أن الحل الأمثل لأزمة السينما العربية يكمن في قدرة المخرجين على تحقيق ما كان يوصف بالمعادلة الصعبة، أي القدرة على تحقيق فيلم فيه فن راق وفكر عميق ومستوى حرفي متطور، وفي نفس الوقت يمتلك عناصر النجاح الجماهيري. في واقع، الحال قليلة جدا هي الأفلام العربية التي تمكنت من تحقيق مثل هذه المعادلة بنجاح، وهي ظلت، على أهميتها، إنجازات فردية متفرقة فلم تساهم في تحسين حال صناعة السينما العربية.
Read the rest of this entry »
أبريل 27
نفط ودولار وفساد !
بقلم : محمود عبد ربه
ارتفعت أسعار النفط بشكل جنوني خلال عام 2008 ، وصاحب ذلك هبوط في سعر صرف الدولار ، ثم انخفضت أسعار النفط وتحسن وضع الدولار ، وفي هذه الأيام ينتعش سوق العقود الآجلة للنفط نتيجة لانخفاض طفيف في سعر صرف الدولار .
الغريب في الأمر ، أن ارتباط ذلك بالعرض والطلب يعد واهيا ولا يعتد به ، فعندما حاولت مجموعة أوبك في الماضي زيادة إنتاجها لكبح جماح الأسعار ، كانت أسعار النفط تتصاعد ، والعكس تماما فحين خفضت الإنتاج خلال الأشهر الماضية ، لم يتوقف نزيف الهبوط ، أما ارتباط كل ذلك بالدولار ، فيعد أقوى العوامل ، والسؤال الذي يطرح نفسه ، لماذا الدولار بالذات وهل تحول الدولار من عملة تبادل إلى أداة سيطرة اقتصادية ضخمة تتحكم بالاقتصاد العالمي برمته ، وأين الذهب الذي كان يعد أداة السيطرة الرئيسية ،نظراً لحياده عن العملات الأخرى وسيطرة أي جهة متنفذة اقتصاديا عليه ، إضافة إلى كونه معدنا نفيسا لا يمكن زيادة كمياته في العالم خلال فترة بسيطة .
بدأت القصة بتعزيز ثقة الدول بالدولار من خلال السياسات الأمريكية ، وسيطرة القطب الواحد ، وفرض سياسة تحديد أسعار صفقات النفط واستلام قيمتها حصريا بالدولار ، مما اضطر كثيرأً من الدول إلى حجز كميات كبيرة من الدولارات كنوع من احتياطي العملات من جهة ، وتسديد قيمة صفقات النفط من جهة أخرى ، ليتم الاستغناء تدريجيا عن احتياطي الذهب في البنوك المركزية للعديد من الدول، وأهمها أكبر دولتين مستهلكتين للنفط وهما الصين والهند ، ليفقد الذهب بريقه في هذه ( المعمعة )، وليفقد دوره في تأمين الغطاء لكافة العملات بشكل عام ، والدولار الأمريكي بشكل خاص .
هناك عدة تقارير اقتصادية يدرجها خبير العملات (سونغ هونغبينغ ) في كتابه ( حرب العملات ) ، تبين أن بنك الاحتياطي المركزي الفيدرالي الأمريكي قام بطباعة مليارات الدولارات خلال السنوات الأخيرة وضخها ، دون غطاء سوى معادلة النفط والدولار ،وعليه فان الأصول المالية العالمية سوف ترتفع أسعارها وعلى رأسها النفط ، فهو يطبع فئة المائة دولار ويبيعها بنفس القيمة ، مع أن تكلفتها عليه أربعة سنتات ، ومما يزيد الطين بله ، إذا ما علمنا بأن البنك المركزي الفدرالي الأمريكي لا يخضع لسلطة الدولة مباشرة وإنما يقبع تحت سيطرة عدة عائلات ، أهمها عائلة (روتشيلد ).
الواضح أن المال حسم المعركة مع السياسة ، وأصبح يتحكم بها ، و إلا فكيف نفسر قيام الحكومة الفدرالية الأمريكية بضخ المليارات من خزينتها لإنقاذ البنوك والشركات من أزمة مالية ، سببها فساد إداري ومالي ، ليس في الولايات المتحدة فقط وإنما في العالم كله .
مارس 25
السينما وإشكالية الإنتاج المشترك :
داخل الجغرافيا أم خارج الجغرافيا ؟
بقلم:عدنان مدانات
لا تزال إشكالية الإنتاج السينمائي المشترك ما بين السينمائيين العرب الأفراد والجهات الأوروبية الممولة تطرح نفسها بقوة وبشكل متجدد مع كل فيلم جديد يتم إنتاجه بدعم تمويلي أجنبي ويتضمن قضايا أو عناصر مواضيعية يبدو مجرد التطرق إليها نوعا من الالتزام أو القبول غير المعلن من قبل السينمائيين العرب بشروط أو مواصفات عامة تتطلبها ظروف الدعم الإنتاجي أو التمويل ومتطلبات التوزيع العالمي ، وهي عناصر يمكن أن يعتبرها السينمائي العربي جزءا من القضايا التي يهتم بها والتي تتعلق بهمومه الوطنية ، ولكنها تستجيب ، بالمقابل ، لاهتمامات أو توجهات أو سياسات الطرف الآخر الممول ، أي الطرف الأجنبي . و تكمن إحدى جوانب هذه الإشكالية في أن هذا الوضع الذي يبدو من الناحية الظاهرية وكأنه شكل بريء ومصادف من أشكال تلاقي وتشابه الاهتمامات ما بين السينمائي العربي والممول الغربي ، غالبا ما يصبح مبررا لكيل الاتهامات للطرف الممول بأنه يفرض شروطه على السينمائيين من جهة ، ولكيل الاتهامات للسينمائيين العرب ، من جهة أخرى ، بتقديم التنازلات للآخر الأجنبي .
بعيدا عن الاتهامات وما يقابلها من تبريرات ، يمكن لنا ان نرى ان جوهر هذه الإشكالية لا يتعلق بالموقف من ما يمكن ان يتضمنه فيلم واحد أو عدة أفلام ، بل ان لب هذه الإشكالية يكمن في علاقتها بوضع السينما العربية حاضرا ومستقبلا وبفاعلية السينمائيين العرب وكذلك الدور الإيجابي الذي يمكن ان تلعبه ممارسة الإنتاج المشترك في المساهمة في خلق سينما وطنية أو في الدور السلبي الذي يتجلى في منع أو إعاقة خلق مثل هذه السينما الوطنية . فالهدف المطلوب على المدى القريب والبعيد هو وجود سينما وطنية بكل ما تحمله هذه الصفة من معان وليس الاكتفاء بأفلام قليلة يتم تحقيقها بشكل فردي بين فترة وأخرى وتفتقد هويتها المميزة أو انتمائها الضائع ما بين جنسية المخرج وجنسية الجهة الممولة.
المطلوب إذن هو الوصول إلى سينما عربية وطنية قلبا وقالبا .
Read the rest of this entry »
مارس 16
السينما المستقلة في العالم العربي :
رحلة الألف ميل تبدأ من المهرجانات
بقلم:عدنان مدانات
خلال الأعوام الأربعة المنصرمة تم في أكثر من بلد عربي وفي دول أخرى من العالم تنظيم مهرجانات أو تظاهرات سينمائية لأفلام عربية جديدة تحت شعار مشترك بين هذه المهرجانات هو ” السينما العربية المستقلة ” .
” شعار السينما العربية المستقلة ” هو الحلقة الأخيرة من سلسلة شعارات رفعها السينمائيون العرب على مدى أكثر من ربع قرن وكان أبرزها على الإطلاق شعار ” السينما العربية البديلة ” . كانت الشعارات السابقة على شعار ” السينما العربية المستقلة ” ذات مضمون فني / أيديولوجي وتعكس حالة من التمرد على السينما السائدة في العالم العربي بخاصة من حيث مضامينها التي اعتبرت مزيفة لقضايا الواقع والإنسان العربي شكلا ومضمونا . أما شعار ” السينما العربية المستقلة” فهو لا يستند إلى خلفية أيديولوجية و لا يحمل بعدا أيديولوجيا ، بل هو نتاج ظروف مستجدة سببتها التطورات والإنجازات التقنية في المجالات السمعية / البصرية ، وعلى رأسها تقنيات إنتاج الأفلام بواسطة الفيديو الرقمي .
يشترك شعار ” السينما العربية المستقلة ” مع الشعارات التي سبقته في غموض المعنى وهلامية المحددات . ومثله مثل الشعارات السابقة ، صاحبت إطلاقه موجة من التساؤلات حول طبيعته ومواصفاته ، حتى من قبل أولئك الذين رفعوه و تبنوه ، من ذلك مثلا ، التساؤل عن ماذا هي مستقلة هذه ” السينما العربية المستقلة ” . كانت السينما الأمريكية قد عرفت منذ زمن هذا الشعار الذين نتج عنه إنتاج عدد من الأفلام التي حملت صفة ” السينما الأمريكية المستقلة ” . والاستقلالية في السينما الأمريكية ذات طبيعة إنتاجية اقتصادية بحت تتحقق عن طريق الإنتاج المستقل عن شروط صناعة الأفلام التي تنتجها او تمولها شركات الإنتاج والتوزيع السينمائي الكبرى والمهيمنة على سوق الأفلام . Read the rest of this entry »
مارس 08
شباب في الستين من العمر
بقلم: أحمد طمليه
ثمة فيلم أجنبي يحكي قصة شخص تقاعد من العمل بعد أن تجاوز الستين فاكتشف أن لا حياة له خارج حيطان المكتب، حاول أن يحيي أيامه بتفاصيل ما، خاصة أن زوجته توفيت، وأبنته الوحيدة ألمحت له أكثر من مرة أن لا يتدخل بشؤونها، فقرر أن يذهب في رحلة بمركبته الخاصة مستفيداً من المبلغ الذي حصل عليه أثر التقاعد، ذهب شمالاً وشرقاً، جنوباً وغرباً، وعاد في نهاية المطاف خالي الوفاض، فقد انتزعت من داخله الرغبة، فلم يعد يشتهي إمرأة، ولم يعد يحن إلى احتساء فنجان قهوة ساعة الغروب، ولم يعد يعنيه أن يمشي في الطريق، أو أن يقرأ جريدة، أو أن يركب في باص عمومي.
وفي غمرة التيه، وعلى أثر خبر قرأه في إحدى المجلات راح الرجل الستيني يراسل طفلاً في احدى دور الأيتام متطوعاً بكفالته بحيث تتضمن كل رسالة مبلغاً زهيداً من المال، وراح في رسائله عن التيه الذي يعيشه، وعن اللامعنى الذي يكتوي بناره، وعن الخواء، وعن عبث الصحو المبكر، وعن فتور مياه الشافي حين تنسل بخفة عن أصابع القدمين، وعن القمة، ووقع الخطوات الغريبة، والمسافات التي لا تفضي إلى شيء.
ويبدو أن المسؤولين عن دار الأيتام التي تقع في ولاية أخرى بعيدة اشتموا رائحة ما من بين طيات الرسائل، فبعثوا له ببطاقة تهنئة يقولون فيها أن رسائله والمبالغ النقدية التي يرسلها أنعشت آمال طفل بحياة جديدة. كان الرجل الستيني يمشي بتثاقل نحو بيته بعد أن بلغته ابنته بالفم الملآن أنها لا تريد تدخله في حياتها الخاصة، وأنها إذا لزم الأمر لا تريد أن ترى وجهه. مدّ يده إلى مقبض الباب والأصابع ترتجف، والخطوات تراوح مكانها، والجسد يوشك أن يقع على الأرض، لفت نظره وجود البطاقة على المدخل، فتحها بتثاقل، قرأها، فعلت وجهه ابتسامة هادئة لم يألفها من قبل.
جوهر الحياة هو العطاء، وأن ثمر هذا العطاء، هو جوهر الحياة، وجوهر الأمومة، وجوهر العناية التي توليها إلى نبتة مزروعة في فناء البيت وجوها أن تنام ليلك الطويل، وأن تشرب فنجان قهوة ساعة المساء، وأن تمشي في الطريق، وأن تشعر بلذة قطع المسافات!
مارس 04
الخصوصية التراثية في السينما العربية
بقلم: عدنان مدانات
احتلت إشكالية البحث عن ما يسمى مجازا لغة سينمائية عربية ذات خصائص فنية تراثية قومية حيزا كبيرا من نقاشات السينمائيين العرب لفترة طويلة من الزمن. وقد عرفت السينما العربية بعض المحاولات لإنتاج أفلام روائية طويلة تقترب بهذا الشكل أم ذاك من التراث سواء من حيث الموضوع أم من حيث الشكل. وتبرز بشكل خاص ومبكر في هذا المجال تجربة المخرج المصري الراحل شادي عبد السلام في فيلمه القصير” شكاوى الفلاح الفصيح” و كذلك فيلمه الروائي الطويل” المومياء” اللذان انتجا في ستينيات القرن العشرين و يستفيد موضوعهما من التراث الفرعوني. وتجدر الإشارة أيضا إلى فيلم المخرج الجزائري مرزاق علواش” مغامرات بطل”( 1974) الذي استفاد أسلوبيا من ” ألف ليلة وليلة”، وكذلك يتميز الفيلمان التونسيان من إخراج الناصر خمير ” طوق الحمامة المفقود” و” الهائمون” بأجوائهما ومواضيعهما التراثية. وثمة تجارب لاحقة في السينما العربية لا يتسع المجال لذكرها هنا.
على المستوى النظري، فإن مسألة الاستفادة من التراث في الفنون العربية المعاصرة من اجل تأسيس أو ترسيخ خصائص فنية عربية الطابع، تراثية الجوهر والشكل، فرضت نفسها على الإبداع العربي المعاصر بعناد كما لو أن القضايا التي تجابه الإبداع الفني المعاصر لا يمكن أن تحل بدون الإجابة على سؤال الخصوصية الثقافية وأصولها التراثية منعكسة في الشكل الفني.
ومن الواضح إن نقاش هذه المسألة على المستوى النظري المفهومي لم يستطع أن يحسم أو أن يجد إجابة وافية على أسئلة أولية من نوع: أين يبدأ التراث وأي تراث نريد وما هي خصوصية هذا التراث بالمقارنة مع تراث الشعوب الأخرى، والأهم من ذلك كيف يمكن الاستفادة من التراث فيما يخص كل حقل فني على حدة؟ وفي حين يعتبر البعض أن التراث يعني الماضي( دون تحديد زمن هذا الماضي بدقة)، يعتبر البعض الآخر أن التراث ليس الماضي فقط، بل هو أيضا الحاضر بما هو امتداد للماضي وتأثر به ولكن مع الأخذ بعين الاعتبار لكل ما جرى من تطورات. كما أن هوية التراث بقيت دون إجابة واضحة، فهل هو فقط التراث العربي خاصة ، أم العربي الإسلامي عامة، أم هو خليط الثقافات التي تفاعلت تاريخيا في هذه المنطقة من العالم. و تكمن المعضلة الأساسية في كيفية الاستفادة من التراث( هذا إن تم تحديده والاتفاق عليه) في المجالات الإبداعية في حال عدم توفر خبرة تاريخية في المجال الإبداعي المقصود. Read the rest of this entry »