مقالة:الخصوصية التراثية في السينما العربية
مقالات و مقابلات مارس 4th. 2009, 2:19مالخصوصية التراثية في السينما العربية
بقلم: عدنان مدانات
احتلت إشكالية البحث عن ما يسمى مجازا لغة سينمائية عربية ذات خصائص فنية تراثية قومية حيزا كبيرا من نقاشات السينمائيين العرب لفترة طويلة من الزمن. وقد عرفت السينما العربية بعض المحاولات لإنتاج أفلام روائية طويلة تقترب بهذا الشكل أم ذاك من التراث سواء من حيث الموضوع أم من حيث الشكل. وتبرز بشكل خاص ومبكر في هذا المجال تجربة المخرج المصري الراحل شادي عبد السلام في فيلمه القصير” شكاوى الفلاح الفصيح” و كذلك فيلمه الروائي الطويل” المومياء” اللذان انتجا في ستينيات القرن العشرين و يستفيد موضوعهما من التراث الفرعوني. وتجدر الإشارة أيضا إلى فيلم المخرج الجزائري مرزاق علواش” مغامرات بطل”( 1974) الذي استفاد أسلوبيا من ” ألف ليلة وليلة”، وكذلك يتميز الفيلمان التونسيان من إخراج الناصر خمير ” طوق الحمامة المفقود” و” الهائمون” بأجوائهما ومواضيعهما التراثية. وثمة تجارب لاحقة في السينما العربية لا يتسع المجال لذكرها هنا.
على المستوى النظري، فإن مسألة الاستفادة من التراث في الفنون العربية المعاصرة من اجل تأسيس أو ترسيخ خصائص فنية عربية الطابع، تراثية الجوهر والشكل، فرضت نفسها على الإبداع العربي المعاصر بعناد كما لو أن القضايا التي تجابه الإبداع الفني المعاصر لا يمكن أن تحل بدون الإجابة على سؤال الخصوصية الثقافية وأصولها التراثية منعكسة في الشكل الفني.
ومن الواضح إن نقاش هذه المسألة على المستوى النظري المفهومي لم يستطع أن يحسم أو أن يجد إجابة وافية على أسئلة أولية من نوع: أين يبدأ التراث وأي تراث نريد وما هي خصوصية هذا التراث بالمقارنة مع تراث الشعوب الأخرى، والأهم من ذلك كيف يمكن الاستفادة من التراث فيما يخص كل حقل فني على حدة؟ وفي حين يعتبر البعض أن التراث يعني الماضي( دون تحديد زمن هذا الماضي بدقة)، يعتبر البعض الآخر أن التراث ليس الماضي فقط، بل هو أيضا الحاضر بما هو امتداد للماضي وتأثر به ولكن مع الأخذ بعين الاعتبار لكل ما جرى من تطورات. كما أن هوية التراث بقيت دون إجابة واضحة، فهل هو فقط التراث العربي خاصة ، أم العربي الإسلامي عامة، أم هو خليط الثقافات التي تفاعلت تاريخيا في هذه المنطقة من العالم. و تكمن المعضلة الأساسية في كيفية الاستفادة من التراث( هذا إن تم تحديده والاتفاق عليه) في المجالات الإبداعية في حال عدم توفر خبرة تاريخية في المجال الإبداعي المقصود.
بالنسبة للسينما بالذات، فإن الإشكال الأكبر يتجسد في أن هذا الفن معاصر ويقوم على أساس تقنيات علمية معاصرة نتجت في ظل العالم الرأسمالي، أو بالأحرى في ظل حضارة القرن العشرين، كما أن هذا الإشكال يتجسد في أن السينما اتخذت منذ بدايتها طابعا كونيا وطرحت نفسها كمشروع لغة عالمية خارج الخصائص القومية المستقلة.
وهذه الإشكالية المطروحة أمام السينما العربية أكثر صعوبة وتعقيدا منها في مجال الفنون الأخرى، بالنظر إلى أن حداثة هذا الفن وتميز وضعه من حيث قوة تأثير التقنية الخاصة به على وسائله التعبيرية.
وفي الواقع، فإن هذه القضية المثارة في مجالات الأدب والفن في العالم العربي أنتجت الكثير من المحاولات و الاجتهادات المختلفة ذات الطابع التجريبي. فإذا ما تقصينا هذه القضية في مجال الرواية كمثال، فإننا سنجد أن المحاولات المتحققة تدور في محورين، الأول منهما هو محور اللغة، والثاني محور أسلوبي وبنائي. فعلى مستوى اللغة، فإن المصدر التراثي الأساسي هو الأساليب اللغوية والبلاغية في الأدب العربي القديم كما في استعمالات اللغة في نصوص القرآن الكريم. وعلى المستوى الأسلوبي العام، فإن تلك الروايات التي لجأت إلى التراث استمدت مصادرها من أدب المقامات وبنية حكايات” ألف ليلة وليلة” ومن بعض السير التراثية الشعبية.
ووجد المؤلفون المسرحيون أمامه العناصر ذاتها التي استخدمتها الرواية في بحثهم عن الشكل التراثي واستكمل المخرجون المسرحيون هذه العناصر في تقديمهم للعرض المسرحي من خلال أشكال مستعارة من الاحتفالات والمواسم الشعبية والدينية
وجلسات الحكواتي إضافة إلى تراث مسرح الأراجوز.
كما استمد الرسامون العرب المعاصرون تراثهم من الأشكال الزخرفية وفنون الخط العربي، فيما عمد آخرون إلى ملء لوحاتهم برموز معمارية وتشكيلية من نوع الكف والعين والخرز والهلال والقباب والمقرنصات وغيرها.
أما السينما فتجد الوضع أمامها أكثر صعوبة في محاولتها العثور على نموذج تراثي خاص بها وملائم لطبيعتها، يمكن أن يعطيها خصوصيتها القومية. ومع ذلك، يحاول بعض الباحثين في مجال السينما في العالم العربي إيجاد صلة وصل بين فن السينما المعاصر وبين شكل فني وتقنية قديمة شاعت في التاريخ العربي( مع أنها معروفة في حضارات آسيوية أخرى)، ألا وهي فن ” خيال الظل” استنادا إلى واقع أن الشكل النهائي للعرض متشابه. ففي الحالتين يجد المتفرجون( أو النظارة، حسب المصطلح التراثي)، أنفسهم أمام عرض مرئي فيه خيال ممثلين يتحرك على الشاشة. وهذا الخيال يروي لهم وبمساعدة من الصوت البشري حكاية ممثلة. غير أن أولئك الباحثين يعجزون عن إيجاد صلة أعمق و أشد أصالة تجمع بين هذين الفنين، التراثي والمعاصر، ويمكن الاعتماد عليها لتطوير وسائل تعبير سينمائية تراثية الخصائص. هذا مع ملاحظة أن اوجه الاختلاف بين هذين الفنين هي أكثر بكثير من أوجه التشابه فيما بينهما. وأبسط مثال على الاختلاف أن السينما تقدم صورا شبيهة بالواقع إلى درجة الإيهام بحقيقتها.
و يلاحظ أن المحاولات القليلة التي تمت في السينما العربية لإنجاز أفلام تستفيد من أشكال تراثية ارتكزت في أساس محاولاتها على التراث الأدبي بالدرجة الأولى، فبعضها استعار أسلوب” ألف ليلة و ليلة” في السرد، حيث تمتزج الخرافة والواقع، وحيث تقود الحكاية القارئ إلى حكاية جديدة تتداخل معها فيما يشبه التوالد الحدثي المتسلسل، كما استفادت محاولات أخري من صيغة الراوي في القص الشعبي، فيما اكتفت محاولات أخرى باستعارة الموضوع، أو الحكاية، من التراث. كما نجد في بعض الأفلام محاولات لتوظيف الموسيقى التراثية أو فن العمارة الشرقي. وهذا كله لا يتناقض مع إمكانيات السينما، بل على العكس من ذلك، فهو يتلاءم مع طبيعة الفن السينمائي من حيث هو فن تركيبي يستفيد من الفنون والآداب الأخرى السابقة عليه ويطوعها لصالح تقنيته وخاصيته الأساسية، خاصية الحركة في الزمان والمكان، وخاصية الإيهام بالواقع. وهذا يعني أن بإمكان السينمائي الباحث عن أشكال تراثية أن يستفيد من كل ما يمكنه من أشكال تراثية منفردة أو مجتمعة. غير ان حقيقة المشكلة وجوهرها لا يكمنان في إمكانية الاستفادة من الأشكال التراثية بحد ذاتها، بل في أن هذه الاستفادة لا يجوز أن تقتصر على استعارة الشكل التراثي، بل عليها أن تستنبط من الشكل التراثي عناصر جزئية بنائية تعبيرية دلالية تستمد قيمتها من كونها يمكن أن تتحول إلى رموز وعلامات تساعد على أن تطبع بطابعها المميز وسيلة التعبير السينمائية بخصوصيتها التراثية، أي أن الفيلم ككل وليس بعض عناصره فقط يعكس التميز الفني الثقافي.
من الطروحات الهامة والدقيقة المتعلقة بهذه الإشكالية ما أورده الناقد المخرج السوري صلاح ذهني في مقالة له بعنوان ” السينما العربية والمواجهة الحضارية” نشرت في عدد خاص من مجلة ” الوحدة” الشهرية حول السينما العربية جاء فيه:”… فمجموعة المبادىء والقواعد والإشارات والرموز، التي تتضمنها كلمة( كود) في مجال السينما العربية لم تستنبط من واقع الحياة والميراث العربيين، بل تم تبنيها على مدى السنين والتجارب الكثيرة عبر العين الغربية، مما جعل الجمهور العربي ذاته يرتبط برباط وثيق بهذا الكود أو مجموعة الرموز، فصار من الصعوبة بمكان على كائن من كان من المبدعين العرب في الميدان السينمائي أن يخرق هذا الكود ويطور لغة سينمائية تعتمد على بديل عربي. وعملية الخرق هذه تحتاج في سبيل الوصول التغيير وإلى بلوغ كود جديد يقبله الجمهور العربي إلى تبني بعض المقومات الأساسية ذات الأهمية: بدءا بطرح السؤال عن ماهية المشهدية، وكيف يؤثر الموقف الكوميدي، وأي نوع من الكود اللفظي يمكن أن يستخدم، أية رؤى تنقل، أية كنايات ممكنة، وهكذا. وتلك قضايا سينمائية بقدر ما هي خصائص ثقافية” ( مجلة” الوحدة” العدد 37 لعام 1987).
إن الإجابة على هذه التساؤلات ليست أمر سهلا على الإطلاق، فالواقع أن التراث الفني العربي لا يساهم كثيرا في هذا المجال. وتساعد على فهم هذا الأمر المقارنة مع التراث الفني الشعبي لدى شعوب أخرى في آسيا وأفريقيا خاصة. فبعض الفنون لدى الشعوب الأفريقية او الآسيوية لا تمارس لذاتها فقط، وإنما تستخدم كوسائل تعبير لغوية فردية او جماعية. وكمثال واضح على هذا الفرق، يمكن الرجوع إلى تقاليد الرقص الشعبي. فالرقص الشرقي التقليدي، على سبيل المثال، عبارة عن حالة احتفالية عاطفية تستخدم فيها حركة الجسد بمرافقة موسيقى إيقاعية، ولا تتميز الحركات التي تقوم بها الراقصة بجسدها أو بأيديها بأية علامات خاصة أو إشارات ورموز تعبيرية دلالية وذات طبيعة لغوية. هذا في حين أن الرقص الشعبي الهندي يحتوي على العديد من الحركات والإشارات الاصطلاحية التي تجسد رموزا ودلالات والتي تشكل بمجملها عناصر تعبير لغوية الطابع. عن حركات أصابع الأيدي التي تقوم بها الراقصة الهندية لها دلالات خاصة لا يمكن لغير المطلع عليها أن يفهم كنهها. و أما الرقص الشعبي في الصين واليابان فهو عنصر أساس من عناصر السرد والتعبير والترميز التي تنبني عليها العروض المسرحية التقليدية. والأمر نفسه يمكن أن يقال حول الملابس والأقنعة و الأصباغ التي ترسم فوق أوجه الممثلين الراقصين. ولهذا يصعب على غير الصينيين واليابانيين، أو غير الدارسين لهاتين الحضارتين وفنونهما الاستعراضية فهم و استيعاب مجريات العروض المسرحية التقليدية ومعانيها ( عروض مسرح” النو” و “الكابويكي” التقليدية).
وقد تنبه إلى هذا الأمر العديد من الباحثين المسرحيين العرب الذين سعوا وراء التأسيس لصيغ مسرحية تراثية والذين أرادوا توظيف التراث فبحثوا عما يساند رغبتهم في مجال الرقص وبعض أشكال الاحتفالات الشعبية. ومن هذا المنطلق طرح بعض الباحثين إمكانية الاستفادة من رقص ” السامر” الجماعي الذي يتشكل من فريقين متقابلين من الراقصين على أساس اعتباره شكلا فنيا تراثيا يؤدي استخدامه إلى إضفاء صبغة أو هوية فنية تراثية على العرض المسرحي. غير أن المسرح العربي، على الرغم من كل التجارب، لم يتمكن من الاستفادة من رقص” السامر” وما يصاحبه من غناء إلا باعتباره ممارسة احتفالية تقليدية وفرجة شعبية، فلا توجد في تقاليد رقص السامر رموز خاصة أو عناصر لغوية دالة.
وهكذا، فالمعضلة الرئيسية التي تجابه السينمائيين العرب في بحثهم عن خصوصية تراثية للسينما العربية هي الحاجة لعدم الاكتفاء بالتراث الفني باعتباره شكلا وفلكلورا، بل وجوب العثور على مضمون لهذا الشكل وعلى العناصر الرمزية التي تنبني بواسطتها لغة ودلالات، وتعكس في نفس الوقت الروح القومية والخصائص المميزة للتراث القومي، وتضفي على ذلك كله وعيا معاصرا.
والأمر الذي يميز السينما بالذات عن غيرها من الفنون هنا هو الحاجة إلى موائمة كل تلك الحلول التي قد يمكن التوصل إليها مع الخصوصيات التقنية التي تفرض نفسها شئنا أم أبينا على الصورة السينمائية وعلى بنية وشكل الفيلم كله.